الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
316
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
[ البحث الثاني في النواهي . ] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم وبه نستعين قوله في النواهي لفظ النهي قد يكون مصدرا لقولك نهى كما أن لفظ الأمر يكون مصدرا لأمر وحينئذ قد يراد مطلق طلب الترك على النحو الخاص كما نقول أنهاك عن كذا أي أطلب منك تركه وحينئذ يصدق النهي على طلب الترك بالإشارة والكتابة أيضا وقد يراد به خصوص طلب الترك بالقول المخصوص وقد يراد به قول القائل لا تفعل على الوجه المخصوص وقد يكون اسما يراد به القول المخصوص الدال على طلب الترك والظاهر أنه حقيقة في الأمرين كما هو الحال في لفظ الأمر وظاهر حكمهم بجريان ما مر في الأمر دعوى الاتفاق على كون النهي حقيقة في الصيغة المذكورة حيثما فرض دعوى الاتفاق في الأمر هذا والتعاريف المذكورة له في كلام الأصوليين مختلفة على حسب اختلاف الوجوه المذكورة فيوافق كل منها بعض الوجوه المذكورة ففي المعارج أنه قول القائل لغيره لا تفعل أو ما جرى مجراه على سبيل الاستعلاء مع كراهة النهي عنه وقريب منه ما في العدة وفي النهاية أنه طلب الترك بالقول على جهة الاستعلاء وفي منية اللبيب أن النهي القول الدال على طلب الترك على جهة الاستعلاء وفي غاية المأمول أنه طلب كف عن فعل بالقول استعلاء إلى غير ذلك من حدودهم المذكورة في الكتب الأصولية وقد يطلق على الصيغة المعروفة سواء استعملت في الطلب أو غيره وهو من اصطلاح بعض أهل العربية ولا ربط له بالمقام ثم إنه قد وقع الكلام في كونه حقيقة في خصوص الطلب الواقع على وجه التحريم أو الصيغة المستعملة فيه أو أنها موضوعة لمطلق طلب الترك أو الصيغة المستعملة فيه على نحو ما مر في الأمر والحق أنها تفيد مطلق طلب الترك سواء كان على وجه التحريم أو الكراهة مع ظهور التعريف وانصراف الإطلاق إليه حسبما مر الكلام فيه في الأمر من غير فرق بينهما في ذلك نعم يأتي لفظ الأمر اسما بمعنى الشيء والشأن كما عرفت سواء كان مجازا فيه كما هو المعروف أو حقيقة أيضا كما هو المختار ولا يأتي له لفظ النهي أصلا وفيه إشارة إلى ما اخترناه إذ لو كان استعماله فيه من جهة العلاقة بينه وبين الصيغة أو الطلب تجري في النهي أيضا والكلام في اعتبار العلو في معناه أو الاستعلاء أو هما معا أو أحدهما وعدم اعتباره مطلقا نظير ما مر في الأمر والمختار منها ما اخترناه هناك من غير فرق بينهما في ذلك وبذلك يحصل الفرق بينه وبين الدعاء والالتماس نظير ما مر في الأمر والدليل الدليل فلا حاجة إلى التطويل [ أصل في صيغة النهي ] قوله اختلف الناس إلى آخره قد استعملت صيغة النهي كالأمر في معاني عديدة منها ما في النهاية إلى سبعة التحريم والكراهة والتحقير نحو لا تمدن عينيك إلى آخره وبيان العاقبة نحو لا تحسبن اللّه غافلا عما يعمل الظالمون والدعاء والالتماس نحو لا تعتذروا اليوم والإرشاد نحو لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ويجيء أيضا لمعان أخر منها طلب الترك الجامع بين التحريم والكراهة ومنها رفع الحرج عن الترك فيفيد الإذن في الفعل كالنهي الوارد عقيب الإيجاب ومنها الالتماس ومنها التهديد كقول المولى لعبده لا تطوه فيما أمرك به ومنها الإنذار كقولك لمن يريد أن يصنع شيئا يترتب عليه بعض المعايب لا تقع في هذه البلية ولا تسع في هتك عرضك وسفك دمك ومنها التشفي كما تقول لمن حذرته عن شيء وقد أبى عن تركه فتواردت عليه الأهوال لا تتعرض لهذه الأهوال ومنها السخرية والاستهزاء كما تقول لمن يدعيك بألف وأنت تنكره لا تأخذه لي إلا بسكة واحدة ومنها التسلية كقولك للمصاب لا تحزن ومنها الامتنان كما تقول لمن أجرته في مقام إظهار النعمة لا تخف في داري ولا تتعب ولا تستعن بأحد ولا تنحسر درهما ولا دينارا إلى غير ذلك من المعاني المناسبة له وملخصها يرجع إلى الاستعمال في الطلب مطلقا أو في خصوص أحد قسميه أو في صورة الطلب لإفادة أحد الأمور المذكورة من الإذن أو الإرشاد أو التهديد أو التحقير وغيرهما على حسب ما يفهم منها بملاحظة المقام حسبما مرت الإشارة ولا خلاف في عدم كونها حقيقة في جميع تلك المعاني قال في الغنية بعد ذكر عدة من المعاني المذكورة ليست حقيقة في الجميع إجماعا وإنما وقع الخلاف في عدة منها نظير ما ذكرناه في الأمر وقد أطلق جماعة منهم المصنف أن الحال هنا في الخلاف كالحال في اختلافهم في الأمر وهو كذلك إلا أنه لم ينقل جميع الأقوال المنقولة هناك في المقام بل ذكر بعض الأفاضل أنه لم يقل بوضع النهي للتهديد أحد وكيف كان فالأقوال المنقولة هنا أيضا عديدة أحدها أنه حقيقة في التحريم مجاز في غيره وهو المعروف وعزي إلى الأكثر وقد اختاره الشيخ والمحقق والعلامة في التهذيب والمبادي والشيخ العميدي وشيخنا البهائي وتلميذه الجواد والمصنف وغيرهم ثانيها أنه حقيقة في الكراهة عزاه في غاية المأمول وغيره إلى البعض ثالثها أنها مشتركة لفظا بين التحريم وغيره وعزى القول به إلى ظاهر الذريعة والغنية وذكر أنه يظهر من الأخير أنها مشتركة بين التحريم والتهديد والتوبيخ قلت الذي يظهر من السيد في الذريعة أن صيغة لا تفعل ليست مخصوصة بالنهي لورودها في التهديد أيضا كقول المولى لعبده لا تطغى ولا تفعل عما آمرك به فليس سنده للنهي صيغة تخصه فظاهره كون الصيغة حقيقة في صورة إرادة التحريم وغيره بل وفي التهديد أيضا وقد نص هناك باشتراك الصيغة بين الأمر والإباحة وقد نص في المقام أيضا بأن الكلام في أنه لا صيغة للنهي تخصه كالأمر فلا وجه لإعادته وذهب في مبحث الأمر إلى أن صيغة الأمر يفيد كون الأمر مريدا لفعل المأمور به وظاهر كلامه دلالتها على ذلك بالوضع فقد يراد به الوجوب وقد يراد به الندب إما بالاشتراك اللفظي أو المعنوي وقد نص هنا أيضا بدلالة النهي على كون الناهي كارها للمنهي عنه فيكون صيغة النهي دالة عليه وصفا على حسبما ذكر في الأمر لتنظيره بين المقامين فيفرق الحال عند السيد بين مطلق افعل ولا تفعل وبين صيغة الأمر والنهي والأولان لاستحصال طلب الفعل أو الترك والأخريان تخصان به إما على سبيل الاشتراك اللفظي بين الوجوب والندب والتحريم والكراهة حسب ما مر الكلام فيه في الأوامر لكنه نصّ في المقام بأن نهيه يفيد وجوب الترك وإن لم يكن أمره مفيدا لوجوب الفعل لأجل أنه يقتضي قبح الفعل والقبيح يجب أن لا يفعل وظاهر كلامه هذا يفيد دلالة النواهي الشرع على التحريم مع قطع النظر عما ذكر لحمل أوامر الشرع على الوجوب من جهة حمل الصحابة والتابعين وإجماع الشيعة عليه حسبما ذكره فهو أيضا يقول لتعيين حمل نواهي الشرع على التحريم بل حملها على ذلك أولى من حمل أوامره على الوجوب لإسناده في ذلك إلى قيام الدليل عليه من الخارج بخلاف المقام كما عرفت فالظاهر أن مختار السيد في المقام كمختاره في الأمر إلا أنه يقول بكون نواهي الشرع للتحريم ولو مع النص عما ذكره في الأمر وقريب منه ما ذكره السيد في الفقيه والظاهر موافقته